ابراهيم بن عمر البقاعي
656
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
واللعب ، بل على وجه التقوى والمراقبة ليدل ما ظهر منها على ما بطن من الإسلام للمحسن . ولما كان التقدير : فهو الذي ابتدأ خلقكم من طين فإذا أنتم بشر مصورون ، وجعلكم أحياء فبقدرته على مدى الأيام تنتشرون ، عطف عليه قوله : وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ أي لا إلى غيره بعد بعثكم من الموت تُحْشَرُونَ * فأتى بالبعث الذي هم له منكرون لكثرة ما أقام من الأدلة على تمام القدرة في سياق دال على أنه مما لا مجال للخلاف فيه ، وأن النظر إنما هو فيما وراء ذلك ، وهو أن عملهم للباطل سوّغ تنزيلهم منزلة من يعتقد أنه يحشر إلى غيره سبحانه ممن لا قدرة له على جزائهم ، فأخبرهم أن الحشر إليه لا إلى غيره ، لأنه لا كلام هناك لسواه ، فلا علق بين المحشورين ولا تناصر كما في الدنيا ، والجملة مع ذلك كالتعليل للأمر بالتقوى ، وقد بان أن الآية من الاحتباك ، فإنه حذف الصلاة أولا لدلالة ذكرها ثانيا ، والإسلام ثانيا لدلالة ذكره أولا . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 73 إلى 76 ] وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 73 ) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 74 ) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( 75 ) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ( 76 ) ولما كانوا بعبادة غيره تعالى - مع إقرارهم بأنه هو خالق السماوات والأرض - في حال من يعتقد أن ذلك الذي يعبدونه من دونه هو الذي خلقهما ، أو شاركا فيهما . فلا قدرة لغيره على حشر من في مملكته ، قال تعالى منبها لهم من غفلتهم وموقظا من رقدتهم معيدا الدليل الذي ذكره أول السورة على وجه آخر : وَهُوَ أي وحده الَّذِي خَلَقَ أي أوجد واخترع وقدر السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي على عظمهما وفوت ما فيهما من الحكم والمنافع الحصر بِالْحَقِّ أي بسبب إقامة الحق ، وأنتم ترون أنه غير قائم في هذه الدار ولا هو قريب من القيام ، فوجب على كل من يعلم أن اللّه حكيم خبير أن يعتقد أنه لا بد من بعثة العباد بعد موتهم - كما وعد بذلك - ليظهر العدل بينهم ، فيبطل كل باطل ويحق كل حق ، ويظهر الحكم لجميع الخلق . ولما قرر أن إقامة الحق هي المراد ، قرر قدرته عليها بقوله : وَيَوْمَ يَقُولُ أي للخلق ولكل شيء يريده في هذه الدار وتلك الدار كُنْ فَيَكُونُ * أي فهو يكون لا يتخلف أصلا .